منطقة إعلانية




منطقة إعلانية




ما الذي كان ليفعله ستيف جوبز؟


“أعتقد أنه إذا تمكنت من فعل شيءٍ واتضح أنه جيدٌ، إذاً يجب عليك في المرة القادمة أن تفعل شيئاً مميزاً، لا تفكر في ذلك طويلاً، بل حاول توقع الخطوة القادمة”؛ هذه كلمات الراحل ستيف جوبز، والتي يحاول من خلالها المؤلف بيتر ساندر أن يعطي صورةً واضحةً عن التفكير الخلاق الذي تميز به جوبز.

لم أقو على أن ترك كتاب “ما الذي كان ليفعله ستيف جوبز” الصادر عن دار (ماكجرو- هيل) إلا حالما انتهيت منه، لكن أكثر ما أثار انتباهي هي الروح يبعثها المؤلف بيتر ساندر فيك كقارئ ينشد التميز في عالم الاقتصاد والأعمال، وذلك عبر الإتيان بسيرة حياة ستيف جوبز كمثال أخلاقي وشخصية تلعب دور البطولة؛ فهي شخصية جديرة بالثناء، فقد حاول أن يعكس وجهة نظره من خلال دمجه أسلوب الكتابة الشيق والمعرفة والإلهام التي يمتلكها المؤلف ساندر من خلال احتكاكه المباشر مع مؤسس شركة (أبل- Apple).

لا يعد الكتاب سيرة ذاتية لستيف جوبز، إلا أنه يكرس صفحات عدة لحياته، حيث يقوم المؤلف ساندر بعمل استثنائي في العودة إلى السنوات التي قضاها ستيف جوبز، متعقبا خطوات نجاحه ليلقي الضوء على ما أنجزه في حياته قبل أن يخسر معركته مع سرطان البنكرياس. لقد كان ستيف جوبز شخصية بارعة في التقنية على قدر الموهبة التي كان يمتلكها وليم شكسبير في كتابة المسرحيات، يمكننا القول إنه كان واحدا من أبرز الشخصيات في عصرنا هذا، بما يمتلكها من تأثير في إعادة ترتيب طريقة تفكير الناس حول العالم.

يقدم الكتاب 6 خطوات ينبغي اتباعها للسير في درب النجاح، ووفقا لساندر، فهي مقسمة على أساس الأساليب الإدارية التي كان يعتمدها ستيف جوبز، لذا فكل جزء يؤكد معيارا محددا من المعايير الـ6 التي ينبغي للمرء أن يتبناها كنموذج في قيادة، والتي ستمكنك في حال الجمع بينها من فعالية كل أدوات الاتصال، وذلك للوصول إلى مستوى التأثير الذي كان يحدثه ستيف جوبز من الناحية النظرية.

ومع ذلك، يستبعد ساندر دون قصد دور الخصائص الجينية التي كونت شخصية ستيف جوبز، مفضلا التركيز بشكل أكبر وأعمق على الأدلة الملموسة بدلا من الانصياع لفكرة البحث في خصائص شخصيته، والتي يصعب إحالة النجاح إليها، وعلى الرغم من أن الخطوات الـ6 واضحة ومفصلة وشاملة لجميع الجوانب، فمن الصعب أن يقاس الجوهر الحقيقي لنجاح جوبز بالاعتماد على العاطفة، والانفعال والتفكير المجرد.

يصف كتاب ساندر وبشكل جيد “السمات القيادية لـ ستيف جوبز” ففي الفصل الثالث مثلا، يقتبس ساندر مقولة بارزة لأيقونة التكنولوجيا الحديثة ستيف جوبز والقائلة “أعتقد أنه إذا تمكنت من فعل شيء، واتضح أنه جيد، إذا يجب عليك في المرة القادمة أن تفعل شيئا مميزا، لا تفكر في ذلك طويلا، بل حاول توقع الخطوة القادمة ؛”هذا يعطي صورة واضحة عن التفكير الخلاق الذي يتمتع به جوبز، والذي يتماشى بالتأكيد مع فلسفة (جوداريان- Godarian) التي تقول “ليس مهما من أين تأخذ الأشياء، لكن المهم أين تضعها” لقد تغلب جوبز عبر انتهاج طريق مغاير عن منافسيه الذين اعتمدوا تكنولوجيا باتت تقريبا في طي النسيان، وهذا يعكس حقيقة تفرده في نظرته الاستشرافية للمستقبل، لقد كان ستيف جوبز فنانا بينما كانت (أبل) لوحة له، فمنتجاته مثل  iMac, iPod, , MacBook, iPhone, iPadدخلت متحف إبداعاته، وقبلها بالطبع دخلت بيوتنا.

يسلط ساندر الضوء في الفصول الأخيرة من الكتاب وتحديدا من الفصل الرابع إلى التاسع، على المعاني التي تندرج تحت الشعار الذي هو عنوان الكتاب “ما الذي كان ليفعله ستيف جوبز؟”، ويرشدنا إلى الخطوات التي يجب أن نتبعها في طريق التعلم من نجاح جوبز، وعلى الرغم من أن الكتاب يدور حول نجاح شخصية واحدة دون أن تكون هناك أمثلة لشخصيات أخرى، إلا أن الاختيار بالتركيز الأساسي على نموذج ناجح في إدارة الأعمال التجارية، قد لا يرسم طريقا متكاملا للنجاح، إلا أن اقتباسا واحدا أو اثنين من اقتباسات جوبز كفيل بأن تضيف الكثير للقارئ.

هذه الخطوات الـ6 المهمة تقدم نصيحة بشأن “كيفية تسيير العمل”، حيث تشرح ذلك بشكل مبسط وواضح، أنها تعطيك فكرة الأساليب التي اعتمدها جوبز لتحقيق أعظم إنجازاته المتمثلة في تعزيز بناء شركة (أبل)، وليس في التركيز على منتجات الشركة، لذلك، إن اتبعت الخطوات نفسها في سبيل تحقيقك هدفك فمن المرجح أن تمضي بعيدا في ذلك، في أحسن الأحوال تعتبر هذه الخطوات مبادئ أساسية في كيفية التصرف حيال المواقف المتأزمة.

الخطوة الأولى تركز على (العملاء- customers)، لقد كان جوبز سريع البديهة فيما يتعلق بتحديد النزعة الاستهلاكية للعملاء، لقد عمل على استيعاب وفهم احتياجات ورغبات عملائه فتمكن من معرفة وإدراك ما يجب أن يقدم لهم بالتحديد.

أما الخطوة الثانية فتناقش (الرؤية- vision)، والتي من دونها لن تكون المهمة ذات جدوى، لقد بين ساندركيف كان جوبز ضالعا وبشكل عميق في جميع المراحل تقريبا لكل مشروع حاسم، وكان يقدر العاملين لديه ويشعرهم بأهميتهم، ويحرص على أن يتخطى الجميع التوقعات، كما أنه دائم الاستعداد للعمل على المنتج القادم. إن رؤيته تنقسم بين قوة المجموعة العاملة لديه متساوية مع قوة سمعة الشركة على النطاق الخارجي لها.

تتناول الخطوة الثالثة (الثقافة- culture)، حيث يقول ساندر إنه إذا استطاعت شركة ما إيجاد بيئة متماسكة ومتكاملة تستند إلى مجموعة من القيم والمعايير المشتركة بين العاملين في الشركة، فإن هذه القيم المشتركة ستؤدي بلا شك إلى قيام تفاعل إيجابي مشترك، عبر الطريق الوحيدة التي يمكن أن يعتمدها القادة، وذلك بالتركيز على ثقافة الإيجابية (يمكنني فعل ذلك) عوضا عن محاولة القضاء على السلبية المتمثلة في كلمة (لا أستطيع)، كما يركز هذا الفصل عليها باستمرار.

(المنتج- Product) هو الخطوة الرابعة، وعلى الرغم من أن البعض قد يظن بأنه كلما توفرت المزيد من المميزات كان ذلك أفضل، جوبز يؤمن بشيء مغاير تماما يتمثل في (الأقل هو الأكثر) فالتميز يكمن في البساطة والسهولة اللتين هما مرادفان لتحسين الاستخدام، ويمضي الكتاب في وصف كيف يعتقد مؤسس شركة (أبل) بأن الأناقة، خلافا للاعتقاد السائد، تنبع من خلال البساطة التي لا يمكن تحقيقها بسهولة، يقول جوبز في إحدى مقابلاته عام 1998 مع مجلة (بزينيس وييك- BusinessWeek) “تقديم منتج يمتاز بالبساطة أصعب بكثير من تقديمه منتجا معقدا. يجب عليك أن تفكر بطريقة سلسة سهلة لجعل المنتجات بسيطة” إذا فالدرس المستفاد هو أن تبسيط المنتجات يعزز من جاذبيتها ويجعلها (محببة) وهو الأمر الذي لابد منه في العصر الحديث على ما يبدو.

الجزء الخامس هو (الرسالة- message) التي يجب أن تكون الأساس الذي يقوم عليه المضمون والأسلوب، “ما الذي كان ليفعله ستيف جوبز” يعطي أمثلة رائعة ليس فقط عن أفكار جوبز المدهشة، والتي كان يربطها أيضا بعوامل مثل الرؤية السوقية وتوقع السوق، والإيجاز والتأثير الكبير، لقد كانت معظم رسائله وأحاديثه تنتهي بجمل لا تنسى. إن رسالة الشركة على القدر نفسه من أهمية المنتج، الأمر الذي ينبغي أن يعطى كامل الاهتمام.

الخطوة النهائية هي (جوهر العلامة التجارية- brand essence) ساندر يشير إلى أنه يمكن تصنيف العلامة التجارية الجيدة عبر احتوائها على 4 محاور أساسية؛ الصورة والتناسق، الوعد والثقة. وعلاوة على ذلك، فإنه يعتقد بأن هذه العناصر يجب أن تكون متأصلة أيضا في قائد أو مدير الشركة. خلاصة القول لقد نجح جوبز في بناء علامة تجارية تتمتع بالثقة، تتفرد شخصيتها المستقلة، وذات استخدام عملي، إنه يعطي مثالا مميزا عن الحرفية العالية في بناء العلامة التجارية.

كما نتذكر إنجازات المخترع توماس أديسون في كثير من أوقات حياتنا اليومية، فنحن بلا شك، سوف نتذكر ستيف جوبز كواحد من رجال الأعمال الأكثر إبداعا وتأثيرا في العالم. هذا الكتاب سوف يعطيك فكرة عن حياته، ويأخذك معه إلى عالمه. وعلى الرغم من تطور شركة (أبل) وامتلاكها ثروة متراكمة، إلا أن حياة جوبز ستبقى دائما تذكر الإنسانية بالثورة والكفاح ضد الظروف، لقد أنصف كتاب ساندر، من بدايته إلى نهايته، ستيف جوبز الذي استحق التصفيق لإبداعه، وإلهامه للكثير ولنجاحه المبهر.

إذا كنت من عشاق التكنولوجيا، أو من محبي قصص النجاح، أو قائد لشركة، وتريد اتباع نهج مختلف لتدير أعمالك بطريقة غير تقليدية، فعليك بهذا الكتاب، بغض النظر عمن تكون أو ماذا تفعل، وأبق في عقلك كلمات ستيف جوبز القائلة “وقتك محدود، لذا لا تهدره لأنك لن تعيش حياة شخص آخر”، وكن، كما يشير جوبز، شجاعا في رغبتك بتحقيق حلم ما، وإلا “فبتركيزك على الأمور الثانوية، ستبقى إنسانا فقيرا ليس له بصمة في الحياة”.

بقلم : يوريوس ريتسيناس

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

https://alborsaanews.com/2012/10/23/98158