«الجنيه يغرق »… «الجنيه ينهار»… «ذهب الجنيه.. ولن يعود»… جمل سمعتها فى الفترة الأخيرة لوصف انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار والذى وصل إلى أدنى مستوى له منذ عام 2004 ليقترب من 6.50 جنيه.
وكان الجنيه قد فقد نحو 44% من قيمته أمام الدولار فى عام 2003 «ارتفع الدولار من 4.50 جنيه فى يوليو 2002 إلى 6.50 جنيه فى يناير 2003» عقب اتخاذ حكومة عاطف عبيد قراراً بتحرير سعر الصرف، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار وتحويل المدخرات بالجنيه إلى العملة الأمريكية «فيما عُرف بالدولرة» وهو ما أدى لاحقاً إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات.لكن كل هذا الكلام قد يحتاج إلى وقفة.
تتبع مصر منذ نحو 8 سنوات نظام الرقابة على الصرف exchange controls كأحد النظم المعمول بها لتحديد سعر الصرف، حيث يقوم البنك المركزى المصرى «باعتباره مسئول السلطة النقدية بالتدخل فى سوق الصرف الأجنبى لإحداث توازن بين المطلوب والمعروض من العملة الأجنبية «الدولار تحديداً» من خلال توفيره فى الأسواق حال زيادة الطلب عن العرض، وهو ما نجح إلى حد كبير فى القضاء على السوق السوداء للدولار واستقرار سعر صرفه مقابل الجنيه.
أولاً: الجنيه مقوم بأعلى من قيمته الحقيقية
أكد العديد من التقارير الدولية منذ أكثر من عام ونصف العام ضرورة تخفيض قيمة الجنيه المصرى باعتباره مقوماً بأعلى من قيمته الحقيقية، متوقعة تراجع قيمته أمام الدولار لتتعدى 7 جنيهات بنهاية عام 2013. كما طالب صندوق النقد الدولى الحكومة المصرية بضرورة منح حرية أكبر لحركة الجنيه كأحد شروطه لمنح قرض إلى مصر.
ولذلك فإن السعر الحالى للجنيه مقابل الدولار «رغم تدنيه نسبياً» مازال لا يعكس القيمة الفعلية للجنيه، وإنما هى قيمة ناتجة عن إجراءات الدعم المستمرة التى قام بها البنك المركزى طوال عامين متتاليين للدفاع عن الجنيه وحمايته من الهبوط. خاصة أن تلك القيمة لا تعكس زيادة فعلية فى الإنتاج أو الصادرات أو الاستثمارات أو موارد النقد الأجنبى.
ثانيا : تراجع الجنيه يعكس الوضع الاقتصادى ولكن بشكل مبالغ فيه
شهد الاقتصاد أزمة حقيقية منذ ثورة 25 يناير 2011 حيث أدى الاضطراب السياسى إلى تراجع الانتاج ومعدلات التصنيع وانخفاض الاستثمارات وموارد النقد الأجنبى «أهمها السياحة والنقل» وتحول ميزان المدفوعات لتسجيل بعد أن كان يسجل فائضاً، ومن ثم تراجع الجنيه.
وهو ما دعا البنك المركزى إلى التدخل لتوفير النقد الأجنبى حفاظاً على قيمة الجنيه ومنعه من التراجع – لم يرتفع سعر الجنيه مقابل الدولار إلا بشكل طفيف منذ فبراير 2011 (5.9) جنيه» وحتى أكتوبر 2012 (6.12 جنيه) – وهى أحد الأسباب التى أدت إلى تآكل الاحتياطى الأجنبى بشكل واضح.
ورغم ذلك فإن التراجع الحاد فى قيمة الجنيه مؤخراً ـ تراوح السعر الرسمى للجنيه مقابل الدولار بين 6.43 جنيه و6.49 جنيه ـ كان فى جزء منه تراجعاً مبالغاً فيه وغير مبرر ساهمت فيه عوامل نفسية – بجانب العوامل الاقتصادية – كان أبرزها السلوك العشوائى لبعض المواطنين وحالة الذعر من المستقبل التى انتابت قطاعات عريضة من المجتمع، بالإضافة إلى الرغبة فى تحقيق المكاسب بشراء الدولار للمضاربة على سعره.
ثالثاً : تراجع الجنيه ليس شراً مطلقاً
تراجع قيمة العملة الوطنية لا يعتبر أمراً كارثياً، بل ظاهرة اقتصادية يمكن حدوثها فى أى دولة نتيجة تعرضها لأزمة مالية حادة أو ظروف سياسية غير مواتية. ويصاحب هذا التراجع تأثيرات سلبية عديدة أبرزها ارتفاع كل من الأسعار المحلية وتكلفة الاستيراد وتكلفة الديون الخارجية، بالإضافة إلى زيادة مخاطر الدولة ومن ثم تراجع ثقة المؤسسات والمستثمرين الأجانب فيها أى تراجع الاستثمارات. وهو ما نراه واضحاً فى حالة الاقتصاد المصرى فى الآونة الأخيرة.
لكن تراجع العملة له جوانب إيجابية أبرزها انخفاض أسعار المنتجات المحلية أمام المنتجات الأجنبية، ومن ثم زيادة الصادرات – كما فى حالة اليابان والصين – لكن ذلك مشروط بوجود هيكل انتاجى وصناعى مرن وبنية تحتية قوية ومنتجات تتسم بالجودة العالية والقدرة على المنافسة، والأهم تكاتف المجتمع بأكمله لتحقيق هدف قومى مشترك هو النهوض بالاقتصاد كما حدث فى تجربة مهاتير محمد فى ماليزيا أوائل ثمانينيات القرن الماضى، وهو ما لا يتوافر فى الاقتصاد المصرى.
لقد أثبتت بعض التجارب إمكانية التغلب على تراجع قيمة العملة، وأبرزها تجارب ماليزيا وتايلاند وكوريا واندونيسيا التى فقدت عملاتها ما بين 40% و80% من قيمتها أثناء الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، وتركيا التى فقدت عملتها أكثر من 70% من قيمتها فى عام 2002، ورغم ذلك نجح جميعها فى التعافى بل وحققت طفرات اقتصادية.
رابعاً : هناك أساليب للتعامل مع تراجع الجنيه
أعلن البنك المركزى عن آلية جديدة للتعامل فى النقد الأجنبى اعتباراً من يوم 30 ديسمبر 2012 يقوم من خلالها بطرح عطاءات دورية لشراء أو بيع الدولار الأمريكى وذلك للمحافظة على احتياطى النقد الأجنبى ووقف تراجع الجنيه وترشيد استخداماته.
هذا بالإضافة إلى وجود إجراءات أخرى يمكن اتخاذها لتقليل الطلب على الدولار أهمها تقليل الطلب على السلع المستوردة غير الضرورية، وتطبيق نظام حصص الاستيراد quotas، وإحلال السلع الوطنية محل السلع الأجنبية لتشجيع الصناعة المحلية وفرض رسوم على السلع التى يوجد لها بديل محلى.
كما أن مسئولى السياسات النقدية والمالية فى مصر مطالبون باتخاذ إجراءات قابلة للتطبيق تحقق زيادة فعلية فى الموارد وتراعى مصلحة الفقراء، وفى ذات الوقت فإن الأفراد ورجال الأعمال مطالبون أيضاً بتحمل مسئولياتهم لزيادة معدلات الانتاج والتوقف عن تعطيل العمل أياً كانت المبررات وزيادة الثقة فى الاقتصاد الوطنى وفى العملة الوطنية وتغليب الصالح العام على المصلحة الشخصية.
إن الخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية وتدنى سعر الجنيه مرهون بشكل كبير بوجود العزيمة والإرادة من الجميع فى مصر لتحقيق ذلك.. يقول المتنبى :
على قَدرِ أهلِ العزْمِ تأتى العَزَائِمُ… وتأتى عَلى قدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
وتعْظُمُ فى عينِ الصغيرِ صِغَارُها… وتصغُرُ فى عينِ العَظيمِ العظائمُ
بقلم: خالد حسنى مدبولى
الباحث والمحلل الاقتصادى والمصرفى