بقلم : خالد حسنى مدبولى
الباحث والمحلل الاقتصادى والمصرفى
من بين الوسائل المتبعة عند اتخاذ قرار لعلاج أى مشكلة محاولة إلقاء الضوء على تجارب شبيهة ناجحة والاستفادة منها بعد دراسة إمكانية تطبيقها.
وإذا أردنا البحث عن حلول فعلية لمشكلة تراجع سعر صرف الجنيه فإنه يجب النظر إليها باعتبارها ليست مشكلة مستقلة، بل هى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمشكلة الاقتصادية المصرية بأبعادها المختلفة وجوانبها المتعددة المتداخلة.
ومن بين أهم التجارب الاقتصادية الناجحة تجربتا تركيا وماليزيا، خاصة أن الظروف الاقتصادية الحالية لمصر تتشابه فى بعض الجوانب مع هاتين التجربتين وبشكل أخص فيما يتعلق بتراجع سعر صرف العملة واللجوء إلى صندوق النقد الدولى.
تجربة تركيا
شهدت تركيا فى عام 2002 أزمة اقتصادية حادة سبقتها أوضاع مالية سيئة على مدار عدة سنوات كانت أهم مظاهرها انخفاض معدل النمو وزيادة معدلات التضخم وارتفاع عجز الموازنة وارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض قيمة الليرة التركية إلى مستويات غير مسبوقة لتفقد أكثر من 70% من قيمتها. بالإضافة إلى تراجع أداء القطاعات الاقتصادية وتراجع الاستثمارات وانخفاض الاحتياطى الأجنبى وارتفاع معدلات البطالة.
وفى محاولة لعلاج الأزمة لجأت الحكومة التركية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولى والذى فرض عليها شروطاً قاسية تضمنت إجراء إصلاحات اقتصادية عديدة كان أهمها تشجيع ودعم أنشطة الأعمال وتحريرها من القيود القانونية وخلق مناخ استثمارى أكثر جذباً وإسراع عملية خصخصة القطاع العام، وكذلك تخفيض سعر صرف الليرة والتخلى عن نظام سعر الصرف المرن وإجبار الحكومة على تطبيق نظام سعر صرف مرتبط بالدولار مع هامش تغير لا يزيد على %15 فى السنة، حيث يعتمد هذا النظام على التدخل فى سوق الصرف وفى تغيير أسعار الفائدة على الليرة للحفاظ على الهامش المسموح به.
إلا أن هذه الإصلاحات أدت إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، وهو ما جعل المسئولين فى الدولة فى ذلك الوقت – حزب العدالة والتنمية الذى تولى الحكم منذ عام 2002 وحتى الآن – يرفضون شروط الصندوق ويتبنون برنامجاً متكاملاً للإصلاح الاقتصادى يتناسب مع ظروف تركيا وطبيعتها.
وفيما يتعلق بالسياسات المالية، قامت الحكومة بمواجهة أوجه الفساد داخل المؤسسات الإدارية والاقتصادية، وأجرت تخفيضات فى الضرائب «تم تخفيض ضريبة دخل الشركات من 30% إلى 20%، وتنويع معدلات ضريبة الدخل من 15% إلى 35%».
أما فى مجال السياسات النقدية، فقد قامت الحكومة التركية بإصلاح الجهاز المصرفى من خلال تطوير الرقابة المصرفية، ودعم قيمة العملة المحلية بعد أن تسببت معدلات التضخم الكبيرة فى تسعينيات القرن الماضى فى تراجع قيمتها بشكل حاد «بلغ الدولار نحو 1.65 مليون ليرة نهاية 2001 بعد إضافة 6 أصفار للعملة فى أعقاب تفاقم معدلات التضخم».
وتم تخفيض أسعار الفائدة الحقيقية خلال عملية التصحيح المالى المستديمة sustained fiscal adjustment للتحكم فى التضخم وزيادة الانفاق العام.
ماليزيا
عانت ماليزيا مع بعض دول النمور الآسيوية فى عام 1997 من أزمة مالية كبيرة تجلت أهم مظاهرها فى انخفاض سوق الأوراق المالية وتراجع قيمة العملة بشكل حاد، مما أدى لاحقاً إلى انخفاض الطلب المحلى وزيادة مشاكل التعثر فى التمويل وتراكم الديون وانخفاض المبيعات والاستثمارات. وبدأت ماليزيا تبحث عن مخرج لأزمتها الاقتصادية ولكن بعيداً عن صندوق النقد الدولى، حيث كانت الدولة الوحيدة – ضمن مجموعة الدول الآسيوية التى شهدت الأزمة – التى لم تقبل مساعدة الصندوق.
وفى مقابل ذلك تبنت ماليزيا عدداً من السياسات والإجراءات كان أهمها متابعة المؤشرات الاقتصادية الكلية ومعرفة حجم الديون والاستثمارات. وتم تبنى سياسات محفزة للاستثمار، وقل الاعتماد الزائد على أسواق الأوراق المالية «البورصات»، نظراً لما يعتريها من تقلب وتذبذب، خاصة وأنها كانت أحد الأسباب الرئيسية فى حدوث الأزمة.
الدروس المستفادة
من خلال استعراض هاتين التجربتين يمكن استخلاص عددٍ من الدروس للإفادة منها فى حل الأزمة الاقتصادية فى مصر ووقف تراجع قيمة الجنيه، أهمها :
تقوية وسلامة الجهاز المصرفى وزيادة الرقابة المصرفية.
البعد قدر الإمكان عن اتباع سياسة تثبيت سعر صرف الجنيه أو ربطها بالدولار لأنها لا تتناسب مع سياسات التحرر الاقتصادى خاصة فى الأجل الطويل.
الاهتمام بالاستثمارات الأجنبية المباشرة خاصة طويلة الأجل لأنها تخلق فرص العمل وتزيد الإنتاجية وتجلب الخبرات الفنية، وعدم الاعتماد على الأموال الساخنة «استثمارات الأسهم والسندات».
أساس التنمية المستدامة هو الاعتماد بشكل أكبر على التوفير والادخار وليس على الاستثمارات قصيرة الأجل.