مدحت نافع يكتب: بين خطىّ الفقر العالمى والمحلى


أصدر الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، يوم الثلاثاء الموافق 26 يوليو 2016، نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2015 والذى يهدف – وفقاً للجهاز- إلى توفير بيانات تفصيلية تساعد فى التعرف على الأنماط الاستهلاكية للمجتمع والتغيرات التى تطرأ على تلك الأنماط نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى تحدث من فترة إلى أخرى، كما يوفّر البيانات التى تمكّن من قياس مستويات المعيشة، وتحديد خطوط الفقر التى يعتمد عليها متخذو القرار فى وضع برامج الحماية الاجتماعية.
البحث جاء كاشفاً عن حالة التفاوت الكبير فى توزيع الدخول والثروات والتى يكشف عنها مستوى الإنفاق بين الشرائح المختلفة بل وداخل الشريحة أو الفئة الواحدة. يكفى أن نعرف أن متوسط إنفاق الأسرة المصرية قد بلغ 36,7 ألف جنيه مصرى فى السنة، بينما لا يقل الإنفاق السنوى للأسرة فى أغنى فئة إنفاقية (تمثّل 14,7% من السكان) عن 12 ألفاً سنوياً، ولا يزيد الإنفاق السنوى للأسرة فى أدنى فئة إنفاقية (تمثّل 10,8% من السكان) على 4 آلاف سنوياً.
هذه الأرقام توضّح تأثّر المتوسّط العام للإنفاق بما يمكن أن نسمّيه فى علم الإحصاء «البيانات الشاذةoutliers »، وهى تلك البيانات التى تقع فى أعلى عشير سكانى بل وربما فى العشر الأعلى من هذا العشير.
كذلك إذا كان 14,7% من السكان الأكثر إنفاقاً بإمكان أدناهم إنفاق 12 ألف جنيه سنوياً، بينما المتوسط العام لكل المجتمع يزيد على ضعفى هذا المبلغ، فإن مزيداً من تحليل سلوك الإنفاق داخل تلك الفئة ربما أظهر أن بمقدور البعض إنفاق هذا المبلغ فى يوم واحد.
كان البنك الدولى قد أعلن فى 4 أكتوبر عام 2015 رفع عتبة الفقر المدقع extreme poverty threshold من 1,25 دولار إلى 1.9 دولار فى اليوم بناءً على بيانات تعادل القدرة الشرائية لعام 2011، أى أنه قام بتحريك خط الفقر المدقع بنحو 50% دفعة واحدة، وهى الزيادة الأكبر لهذا الخط منذ عام 1990 حين وضع البنك الدولى قاعدة الدولار/ يوم.
فى تقدير البنك الدولى قبل التعديل المذكور يعد الإنسان معدماً إذا ما كانت قدرته على الإنفاق فى اليوم الواحد لا تتجاوز ما قيمته 1.25 دولار، ووفقاً لهذا التقدير يقع، حالياً، تحت خط الفقر المدقع نحو 836 مليون إنسان حول العالم، وبعدما أقدم البنك الدولى على رفع خط الفقر إلى مستوى 1.9 دولار/ يوم فإن ما يقرب من 148 مليوناً من البشر قد انضموا إلى المعدمين ليبلغ إجمالى عددهم نحو 984 مليوناً. جاء ذلك فى معرض إعلان البنك الدولى عن نجاح برامجه فى تخفيض نسبة الفقراء المعدمين حول العالم خلال الفترة من عام 1990 إلى عام 2011 من 36% إلى 15%، حيث بلغ عدد الفقراء المعدمين ما يقرب من 1.1 مليار إنسان عام 2011 نزولاً من 1.92 مليارا عام 1990، فضلاً عن استمرار هذا التراجع فى عدد الفقراء لما دون المليار فى الوقت الحاضر كما سبقت الإشارة.
كذلك يأتى قرار تعديل خط الفقر ودخول عدد كبير من الفقراء تحت الخط الجديد فى سياق تحد أطلقه البنك الدولى لتخفيض عدد الفقراء بنهاية عام 2016 بمقدار 100 مليون فقير، وهو ما يقل عن الداخلين فى عداد الفقراء بمجرد رفع خط الفقر، بما يجعل صافى التغير فى إجمالى عدد الفقراء للعام القادم موجباً.
مع ذلك يعتقد مسئولو البنك الدولى أنه بحلول عام 2030 ستصل نسبة الفقراء دون خط الفقر المدقع إلى أقل من 10% من إجمالى سكان الأرض.
فى مصر يمثّل الفقراء الذين لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغيره ما نسبته 27.8% من السكان وفقاً لنتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2015 مقارنة بنحو 26.3% من السكان فى العام السابق.
اعتمد البحث الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى تقديره لخط الفقر على مفهوم خط الفقر الأدنى الذى بلغ عنده نصيب الفرد من الدخل السنوى فى العام الماضى 3920 جنيهاً (حوالى 1,22 دولار بسعر الصرف الرسمى الحالى البالغ 8,88 جنيه/ دولار)، بينما خط الفقر الأعلى يبلغ عنده إجمالى دخل الفرد سنوياً 5066 جنيهاً (تقريبا 1,58 دولار فى اليوم بسعر الصرف الرسمى الحالى).
تحرّك هذا العام الحد الأعلى ليبلغ 5784 جنيهاً سنوياً وفقاً لتصريحات مستشارة رئيس الجهاز (حيث لم يتوافر أصل التقرير التفصيلى حتى كتابة هذه السطور) أى ما يعادل تقريباً 1,80 دولار فى اليوم (بسعر الصرف الرسمى الحالى). فإذا ما كان البنك الدولى يعد مرجعاً معتبراً لتقدير خط الفقر بالنسبة للأجهزة المصرية، فإن رفع خط الفقر المدقع عالمياً بنسبة 50% يجب أن ينعكس على التقديرات المحلية، كما أن قيمة عتبة الفقر المدقع الجديدة (1.9 دولار) تزيد على خط الفقر الأعلى المحدد حالياً فى مصر! وتزيد بشكل أكبر لو تم الاعتماد على سعر الصرف المتاح فى السوق الموازية والذى يؤثر بشكل كبير على المستوى العام للأسعار ومستويات المعيشة من خلال أثر التمرير، وبالتالى فالتقدير الرسمى المتفائل لخط الفقر الأعلى ربما يعكس بدرجة أكبر نسبة الفقراء المعدمين القابعين فى غياهب الفقر المدقع، أما نسبة 10,8% الواردة بالتقرير والتى تنفق أقل من 4 آلاف جنيه سنوياً فهؤلاء يعيشون فى ظروف أصعب كثيراً من التقديرات العالمية للفقر المدقع!.
فى دراسة أجراها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ومركز العقد الاجتماعى التابعان لمجلس الوزراء المصرى عام 2014 بلغت نسبة الفقراء فى القرى الـ151 الأكثر فقراً فى مصر 84% من السكان وفقاً لأهداف الألفية التى حددتها الأمم المتحدة!
هذه النسبة تقرع أجراس الخطر، إذ يمثّل الفقر بيئة خصبة للتطرف والإرهاب، ويضيع فى المجتمعات شديدة الفقر كثير من القيم والمبادئ التى ترقى بها الشعوب، ناهيك عن انتشار الأمراض والأوبئة وتراجع الإنتاجية وزيادة الاعتماد على المعونات الخارجية التى لا بد لها من نفاد.

 

 

خبير الاقتصاد والتمويل وإدارة المخاطر

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

مواضيع: الفقر

منطقة إعلانية



نرشح لك


https://alborsaanews.com/2017/03/02/985732