أزمة الرقائق الإلكترونية تدق طبول الحرب الاقتصادية بين الصين والغرب


نيويورك تايمز: توقعات بتلبية الشركات الصينية نحو 70 % من طلب السوق المحلى بحلول عام 2025

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على الشركات الصينية بينما تقدم بكين حزم حوافز ضخمة للقطاع

تتصاعد حرب الرقائق الإلكترونية بين الولايات المتحدة والصين يومًا بعد آخر فى ظل الرغبة الأمريكية فى استبعاد الصين من الوصول إلى تكنولويجا أشباه الموصلات.

واتخذت الولايات المتحدة مجموعة من التدابير التى تخص صناعة الرقائق الإلكترونية، وتأتى هذه الإجراءات فى إطار الحرب الاقتصادية مع الصين.

وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن قرار الرئيس “بايدن” فى أوائل أكتوبر الماضى بفرض ضوابط تصدير شاملة تهدف إلى منع وصول الصين إلى أشباه الموصلات جاء فى توقيت مربك، قبل أيام قليلة من المؤتمر الوطنى العشرين للحزب الشيوعى والذى انعقد مؤخرً.

وتأتى الاستجابة الصينية على التهديدات الأمريكية كتحدى كبير، حيث أظهر مؤتمر الحزب الشيوعى، مدى الإلحاح الوطنى، وإعطاء الأولوية للأمن الاقتصادى، كما ركز على التهديدات التى تتضمن التحول فى الجغرافيا السياسية للدولة، والحرب التكنولوجية، واستمرار الوباء.

وخلال خطابه أمام مؤتمر الحزب ذكر الرئيس الصينى شى جين بينج ، الذى حصل على فترة رئاسته الثالثة كرئيس للدولة، “التكنولوجيا” 40 مرة، ووعد بالفوز بالمعركة فيما يتعلق بالتقنيات الرئيسية وشدد على أهمية الابتكار وضرورة الاكتفاء الذاتى التكنولوجي.

وعملت الصين على مر السنين للحاق بالولايات المتحدة فى مجال التقدم التقنى، وأنشأت بكين برنامجًا طموحًا “صنع فى الصين” فى عام 2015 لإعادة تركيز صناعاتها على المنافسة فيما يتعلق بقطاع الرقائق الدقيقة والسيارات ذاتية القيادة.

وأدت المنافسة والصراع مع الولايات المتحدة إلى صعود القومية التكنولوجية فى الصين. وكانت عقوبات الرئيس “دونالد ترامب” على شركات التكنولوجيا الصينية مثل “هواوي” الموجة الأولى من الصراع التكنولوجى بين الدولتين. وزادت ضوابط الرئيس “بايدن” على الصادرات وإضافة شركات صينية أخرى إلى قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات، من تصميم الصين على سد الفجوة فى براعتها التكنولوجية مع أمريكا.

وأضاف مؤتمر الحزب الشيوعى للمرة الأولى فئة إلى أولوياته القصوى: إنشاء قوة عظمى تدعمها التكنولوجيا والعلوم والتعليم. ويعد البحث العلمي التطور التكنولوجى فى الوقت الحالى هو الأساس لتحقيق التنمية فى الصين، كما أصبح الاكتفاء الذاتى ضرورة وطنية.

وبعد يوم من ضوابط التصدير التى فرضها بايدن، وضعت الحكومة المحلية فى “شنتشن”، المركز التكنولوجى البارز فى الصين، خطة طموحة لتسريع إنجازات صناعة أشباه الموصلات، مدعومة بسلسلة من الحوافز المالية، والسياسات الضريبية التفضيلية، وإعانات البحث والتطوير إضافة إلى برامج المواهب للمؤسسات فى النظام البيئى بأكمله.

ويمكن أن تمتد الضربة الشديدة التى تعرضت لها العديد من شركات أشباه الموصلات، لتصل إلى الصناعات الأخرى التى تعتمد على الرقائق المتطورة، من بينها قطاع السيارات الذاتية والمستقلة والذكاء الاصطناعى.

ويأتى نحو30% من عائدات شركات أشباه الموصلات الأمريكية من المبيعات إلى الصين، التى استوردت ما يتجاوز 400 مليار دولار من الرقائق فى عام 2021. وسيتعين على الصين الاعتماد على منتجى الرقائق المحليين حالياً، والتى من المتوقع أن تلبى نحو 70% من طلب السوق بحلول عام 2025.

ولمواجهة هذا التحدى، تتجه الصين إلى أقوى أشكال القومية التكنولوجية، وهو نظام “جوجو تيزى”، حيث يقوم هذا النظام على تعبئة جميع الموارد الوطنية لتحقيق هدف استراتيجي. وتم استخدامه فى الماضى لجنى الميداليات الذهبية الأولمبية ولكنه مصمم حالياً لتوفير التقنيات الأساسية مثل قطاع المعلومات والتكنولوجيا الحيوية.

وتضع الصين رهانات كبيرة دون توقع عوائد فورية، حيث يتدفق سيل من الموارد بالفعل إلى القطاعات الرائدة، فنجد أن الصين استثمرت ما يصل إلى 11 مليار دولار فى أنظمة الحوسبة الكمية بين عامى 2009 و2011، مقارنة بـ 3 مليارات دولار من قبل الولايات المتحدة. وقام الصندوق الكبير الذى تقوده الحكومة فى مجال أشباه الموصلات بتوجيه نحو تريليون رنمينبى ما يعادل 137 مليار دولار بأسعار الصرف الحالية، من التمويل الخاص والعام إلى هذه الصناعة.

كما قدم البنك المركزى قروضًا خاصة منخفضة الفائدة بقيمة 200 مليار رنمينبى ما يعادل 30 مليار دولار لشركات التكنولوجيا المتقدمة. ويجرى إطلاق المئات من المختبرات الوطنية، التى تجرى أكثر الأبحاث تقدمًا، لتعزيز البحث الأساسى، مع توقع حدوث المزيد وسط هذه الحرب التكنولوجية.

هل ستنجح الجهود الصينية؟

تقول “نيويورك تايمز” إن النظام الذى تقوده الدولة بشأن الابتكار التكنولوجى كان ناجحًا حتى اللحظة الحالية، ولكنه مكلف للغاية. وتعتبر الصين حالياً هى العنق والرقبة مع أمريكا والرائدة فى بعض المجالات. وبدأت الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات، أكبر صانع للرقائق فى الصين، فى شحن رقائق سبعة نانومتر رغم العقوبات الأمريكية. وكانت شركة “يانجتسى”، وهى شركة منتجة لشرائح الذاكرة المملوكة للدولة، فى طريقها لتوريد قطع غيار لاستخدامها فى أجهزة آبل” و”أيفون” قبل الحظر. وكلاهما استفاد من مليارات الدولارات من التمويل والدعم الحكومى.

وجاءت الخطة الأخيرة التى تم الإعلان عنها خلال الشهر الماضى بإعطاء نظام “جوجو” تطورًا جديدًا، وهو نهج مدروس وأكثر ذكاءً يستفيد من قوة آليات القطاع الخاص والسوق. وبينما ستستمر الدولة فى لعب الدور الرئيسى المتمثل فى حشد مبالغ كبيرة من التمويل للاستثمارات الطويلة، فسيتم ترك الأمر للسوق والشركات لتحديد التقنيات التى يتم تصنيعها وكيفية صنعها وأين تتدفق الموارد.

وتتأكد حكومات المقاطعات، كما هو الحال فى “شينزين”، من عدم وجود حواجز كبيرة جدًا بالنسبة إلى رواد الأعمال الواعدين والتى تتلخص فى دفع الجهات التنظيمية للمسار السريع للاكتتاب العام والتمويل من قبل الدولة وحتى توفير الوظائف لشركائهم. لكن مع وضع حدود لمشاركتهم – مثل الحدود القصوى لحصة الأسهم التى يمكنهم الحصول عليها أو مدى الدعم المالى – يهدف إلى الحد من الهدر والفساد والتداخلات.

وتأتى العوامل الرئيسية لإتقان التقنيات الحيوية من بينها الأسواق والسيولة النقدية إضافة إلى الموهبة. فالأسواق الصينية مستعدة لحملة ابتكار كبيرة، حيث إن المستهلكين أكثر تطوراً ويطالبون بجودة أعلى، وبالتالى فالشركات التى لديها تقنيات أفضل يمكنها الفوز فى هذه الحرب.

ووفقاً لما ذكرته الصحيفة، فإن النضج الاقتصادى يعنى أنه قد تم قطف الثمار الدانية وأن الموارد المالية ستتدفق إلى قطاعات ذات عوائد أعلى. وليس من قبيل المصادفة أن الإيرادات المحلية فى صناعة أشباه الموصلات فى الصين فى العام الماضى تجاوزت 157 مليار دولار، مع وجود 19 شركة صينية من بين أسرع 20 شركة لأشباه الموصلات نموًا على مستوى العالم.

ولكن المواهب وتوافر البحوث الأساسية تظل نقاط ضعف الصين. كما قدرت جمعية صناعة أشباه الموصلات الصينية أنه ستكون هناك فجوة بنحو 300 ألف خبير فى الصناعة بحلول عام 2025. وفى العام الماضى، كانت الصناعة التى شهدت أكبر زيادة فى الأجور هى صناعة أشباه الموصلات.

,تبقى البحوث الأساسية، حجر الأساس فى قطاع التقنيات المتطورة، متخلفة بشكل ملحوظ، وتسعى الصين لزيادة ميزانية الدولة للعلوم بوتيرة سريعة.

وبينما يستفيد نظام “جوجو” من القوة العامة والخاصة على عكس أى نظام فى العالم، فإنه عادة ما يكون أكثر فاعلية عندما لا تكون التكاليف مصدر قلق. وقد يكون هذا أمرًا بالغ الأهمية لبرامج الفضاء وربما يكون مفيدًا لبناء معدات كبيرة ومعقدة – حتى بمضاعفات التكلفة العادية.

قد ينقذ ذلك الصين من أن تكون عاجزة تمامًا عند فصلها عن التقنيات الدولية، لكنه ليس مفيدًا جدًا فى صنع رقائق متقدمة لمنتجات المستهلك النهائى حيث تكون القدرة التنافسية من حيث التكلفة والحجم أمرًا حيويًا. فى هذه المجالات ، قد تكون الصين متأخرة 10 سنوات أو أكثر عن الولايات المتحدة.

و قد تؤدى القومية التكنولوجية إلى تسريع معدل التقارب، لكن من المستبعد أن تغلق المسافة بقطار سريع الحركة. حيث تستغرق التقنيات الأساسية وقتًا لتطويرها، فهى تحتاج سنوات من البحث العلمى والمعرفة المتراكمة.

واحتفظت الصين بشعار “السيطرة على المنعطف” ، وهو ما يعنى التفوق فى المجالات التى لا يتمتع فيها الآخرون بميزة كامنة. فنجد على سبيل المثال الألمان يتفوقون فى تصنيع السيارات التقليدية، لكن الصين حققت دفعة كبيرة فى تطوير السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والمواد الجديدة. كما تراهن فى نفس الوقت على اتجاهات جديدة لأشباه الموصلات، حيث تجعل تقنيات التغليف المتقدمة للرقائق ذات عقد المعالجة المنخفضة تؤدى أداءً شبيهًا بالرقائق المتطورة. كما يمكن استبدال مواد الرقائق مثل السيليكون بأخرى من الجيل الجديد.

وتتمحور الخطة الخمسية للحزب الشيوعى حول تعزيز التصنيع والجودة. ولا يعتبر الاقتصاد القائم على تقديم الخدمات والتمويل وفقاً للنمط الأمريكى هو ما تعتقد القيادة الصينية أنه يمكن أن يضمن القوة والأمن الوطنيين. كما تسعى الصين لأن تصبح دولة عظمى فى التصنيع لتتفوق على الصناعة الألمانية، وتتمتع بقدرات صناعية ، وتستفيد من الذكاء الاصطناعى، واتصالات الجيل التالى، والروبوتات.

وتضع الصين حالياً نظام “جوجو” الخاص بها على المحك. فهو ليس مجرد سباق على التفوق التكنولوجى ولكن أيضًا على المنافسة النهائية بين نظامين مختلفين جذريًا.

الحلم الصينى فى قطاع التكنولوجيا “كابوس أمريكا المفزع”

يشرح “كريس ميلر”، الأستاذ فى مدرسة فليتشر بجامعة تافتس، تاريخ أشباه الموصلات ومدى الأهمية التى تحملها هذه الصناعة كما يظهر أهمية جذب المواهب لتحقيق التفوق التكنولوجى فى المستقبل، بحسب مجلة “فوربس”.

وتأتى كلمات “ميلر” لتعطى أثرها القوى عالمياً فى ظل أزمة النقص فى الرقائق الإلكترونية المتعلقة بـتفشى فيروس كورونا، مرورا بقانون الرقائق والعلوم الذى تم تمريره مؤخرًا، وصولاً إلى الجولة الأخيرة من ضوابط التصدير التى أصدرتها وزارة التجارة الأمريكية والتى تستهدف الصين، لتصبح قضية أشباه الموصلات، ومن الذى يصنعها، أكثر أهمية من أى وقت مضى، حيث يعرف الكثيرون أهمية النظام البيئى العالمى للرقائق وكيف يؤثر على حياتهم. لكن قلة منهم يعرفون التاريخ الرائع الذى يحيط بصناعة أشباه الموصلات، والمسار الذى يمكن أن تتجه إليه مستقبلاً.

ووفقاً لما ذكرته “فوربس”، يأخذ “ميلر” القارئ عبر عقود من تاريخ أشباه الموصلات، حيث بدأت المنافسات على الحصة السوقية فى تجارة الرقائق من كوريا الجنوبية إلى وادى السيليكون. وفى الثمانينيات، شعرت أمريكا بالذعر من فكرة تسليح اليابان لمكانتها كمنتج عالمى لأشباه الموصلات.

فى النهاية، يؤكد هذا الكتاب أن أشباه الموصلات قد حددت العالم الذى نعيش فيه، وحددت شكل السياسة الدولية، وهيكل الاقتصاد العالمى، وتوازن القوة العسكرية.

وتقول المحلة إن ما هو واضح هو أن قطاع أشباه الموصلات شهد دائمًا انحسارًا وتدفقات للمنافسة، حتى عندما تبدو بعض البلدان أو الشركات الرائدة فى الصناعة فى وضع مستقر للغاية، بحيث لا تجرؤ أى شركة ناشئة على إحداث تأثير فى أعمالهم. فى عصرنا، وتعنى المنافسة فى قطاع الرقائق إلى حد كبير هجوم الصين المباشر على المنتجين الأمريكيين والكوريين الجنوبيين، حيث تعمل الصين بجدية تفوق أى وقت مضى للسيطرة على تحقيق أعلى إنتاجية فى قطاع الرقائق.

ويقول ميللر: “إذا أرادت الصين فقط دورًا أكبر فى هذا النظام البيئى، لكان من الممكن استيعاب طموحاتها. ورغم ذلك، فهى لم تكن بكين تبحث عن مكانة أفضل فى نظام تهيمن عليه أمريكا وأصدقائها …. كان الأمر يتعلق بإعادة تشكيل قطاع صناعة أشباه الموصلات فى العالم، وليس الاندماج معها “.

ولإعطاء إشارة إلى الأولوية التى تضعها الحكومة الصينية على نجاحها، يوضح ميلر كيف أغلقت مدينة ووهان الصينية بأكملها فى يناير من عام 2020 – باستثناء شركة ” يانجستي” لصناعة أشباه الموصلات: “القطارات التى تمر عبر ووهان تحمل سيارات ركاب خاصة خصيصًا لموظفى “يانجستى”، والسماح لهم بدخول ووهان رغم عمليات الإغلاق.. كان قادة الصين على استعداد لفعل أى شيء تقريبًا فى معركتهم ضد فيروس كورونا، لكن جهودهم لبناء صناعة أشباه الموصلات كانت لها الأولوية”.

وتعتمد جميع شركات الرقائق فى الصين تقريبًا على الدعم الحكومى، لذا فهى موجهة نحو الأهداف الوطنية بقدر الأهداف التجارية. كما صرح أحد التنفيذيين لصحيفة “نيكى أسيا” بأن “تحقيق الأرباح والطرح للاكتتاب العام.. ليسا أولوية” فى ” يانجستى” لصناعة أشباه الموصلات. بدلاً من ذلك، ركزت الشركة  على “بناء الرقائق الخاصة بالبلاد وتحقيق الحلم الصيني”.

و اتخذت وزارة التجارة خلال الشهر الماضى خطوات مهمة لفرض ضوابط جديدة على الصادرات على التقنيات الأمريكية المرتبطة بأصناف الرقائق الصينية. إنها خطوة ذات مغزى لإبقاء التقنيات المهمة (والأشخاص الذين يحتفظون بها) بعيدًا عن المنافسين الخطرين.

ولكن كما أكد موقع “تشاينا تيك”، فإن ما يهم حالياً هو أن تستمر وزارة التجارة فى الضغط والمتابعة فيما يتعلق بفرض ضوابط التصدير، وقيود التأشيرات للموظفين الأمريكيين، وتعيينات قائمة الكيانات لشركة “يانجستي” و “تشانجسن” لصناعة شرائح الذاكرة والمنتجين الصينيين الآخرين. وتوضح حرب الرقائق أن المعركة بمليارات الدولارات من أجل تفوق قطاع أشباه الموصلات فى عالم يتزايد فيه الرقمنة سوف تتصاعد خلال السنوات المقبلة.

منطقة إعلانية

https://alborsaanews.com/2022/11/07/1594890