مستقبل واعد للتمويل اللامركزى تحيط به التحديات


العقود الذكية تُستخدم للتأكد من النقل المتزامن للأصول أو حفظ الضمانات

أدت الابتكارات الرقمية إلى تطورات هائلة فى النظام المالي. غير أن بنيته الأساسية ظلت مركزية كما كانت. وبحسب فابيان شار، أستاذ تكنولوجيا دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة والتكنولوجيا المالية في جامعة بازل والمدير العام لمركز التمويل المبتكر، يتيح التمويل اللامركزى بديلا عن ذلك. فهو يستخدم الشبكات العامة القائمة على تقنية سلسلة الكتل “بلوك تشين” فى إجراء المعاملات دون الحاجة إلى الاعتماد على مقدمى الخدمات المركزية، مثل أمناء الحفظ أو غرف المقاصة المركزية أو وكلاء الضمان. وعوضا عن ذلك، يتم أداء هذه الأدوار من خلال ما يسمى بالعقود الذكية.

وقال شار، فى مقال له بمجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولى، إن العقود الذكية هى مجموعة تعليمات فى صورة رموز مصممة باستخدام الكمبيوتر. وتُخزن هذه الرموز على سلاسل كتل عامة وتنفذ كجزء من قواعد التوافق التى يقوم عليها النظام. ويمكن تصميم بروتوكولات التمويل اللامركزى على نحو يمنع التدخل والتحايل. ويتاح لجميع المشاركين الاطلاع على القواعد قبل المشاركة والتحقق من تنفيذ كافة المعاملات وفق هذه القواعد. وأى تغيرات مستجدة (كتحديث أرصدة الحسابات على سبيل المثال) تظهر فى سلسلة الكتل ويمكن للمشاركين التحقق من صحتها.

أضاف أنه فى سياق التمويل اللامركزى، تُستخدم العقود الذكية فى الأساس للتأكد من النقل الذرى (أى النقل المتزامن والمتلازم) لأصلين أو حفظ الضمانات فى الحسابات المعدة لهذا الغرض. وفى الحالتين، تخضع الأصول لقواعد العقد الذكى ولا يمكن الإفراج عنها إلا عند تحقق الشروط المحددة مسبقا.

 

النظم المركزية تعد خيارا أفضل مقارنة بسلاسل الكتل العامة وأدوات التمويل اللامركزى

ويرى أنه بفضل هذه الخصائص، يمكن للتمويل اللامركزى الحد من مخاطر الطرف المقابل ومحاكاة العديد من الخدمات المالية دون الحاجة إلى الوسطاء أو مشغلى المنصات المركزية. ويمكن أن يحد ذلك من التكاليف واحتمالات الخطأ. وتعد أسواق الإقراض وبروتوكولات التبادل والمشتقات المالية وبروتوكولات إدارة الأصول مجرد أمثلة قليلة.

ويمكن أن تستخدم العقود الذكية عقودا ذكية أخرى كمرجع لها وأن تستفيد من الخدمات التى تقدمها. فعند تنفيذ بروتوكول لإدارة الأصول من خلال بورصة لامركزية على سبيل المثال، يمكن مبادلة الأصول المقبوضة كجزء من المعاملة الأولى. وهذا المفهوم، أى تنفيذ مجموعة خطوات عبر عقود ذكية متعددة ضمن معاملة واحدة، يُطلق عليه اسم “قابلية التركيب على مستوى المعاملة الواحدة”، ومن شأنه الحد من مخاطر الطرف المقابل بفعالية (أى احتمالات عدم أداء الأطراف الأخرى لالتزاماتها التعاقدية).

مزايا اللامركزية
يقول شار إن معظم المزايا التى تعزى عادة إلى التمويل اللامركزى – أو سلاسل الكتل بوجه عام – يمكن تحقيقها من خلال البنية التحتية المركزية أيضا. فالعقود الذكية ليست حكرا على النظم اللامركزية. بل إن نفس المعايير وشروط التنفيذ يمكن استخدامها فى دفاتر الحسابات المركزية. وهناك أمثلة لا حصر لها على استخدام آلية الإيثيريوم الافتراضية (آلة افتراضية تعمل على جميع أجهزة الكمبيوتر فى شبكة سلسلة الكتل لتنفيذ العقود الذكية) جنبا إلى جنب مع بروتوكولات التوافق شديدة المركزية. وبالمثل، فإن نفس المعايير المرمزة والبروتوكولات المالية يمكن استخدامها على المنصات المركزية. حتى المعاملات المركبة يمكن تنفيذها باستخدام هذه النظم.

فضلا عن ذلك، تعد النظم المركزية التى تتمتع بإدارة قوية أكثر كفاءة من سلاسل الكتل العامة. ويمكن أن نستنتج من ذلك أن النظم المركزية تعد خيارا أفضل مقارنة بسلاسل الكتل العامة وأدوات التمويل اللامركزى.

لكن النظم المركزية تقوم على افتراض قوى للغاية، وهو الثقة فى جهات الوساطة والمؤسسات التى يحيط بها قدر كبير من الغموض. غير أن هذه الثقة ليست أمرا مسلما به؛ فالتاريخ يذخر بأمثلة لا حصر لها على الفساد والأخطاء داخل المؤسسات. ولكن عندما يناقش خبراء الاقتصاد البنية التحتية المالية ويقارنون خصائص سلاسل الكتل العامة بخصائص دفاتر الحسابات المركزية، فإنهم عادة ما يفترضون حسن نوايا الكيانات المركزية، مما يجعل من الصعب رؤية مزايا اللامركزية.

أما سلاسل الكتل العامة، فتتسم بالشفافية، بحسب شار، لأنها لا تخضع لسيطرة جهة واحدة، وتتيح بالتالى بنية تحتية حيادية ومستقلة وغير قابلة للتغيير لإجراء المعاملات المالية. فالرموز يتم تخزينها وتنفيذها باستخدام نظام مفتوح، مما يعنى أن جميع البيانات متاحة للاطلاع والتحقق من صحتها. ويسمح ذلك للباحثين وصناع السياسات بتحليل المعاملات، وإجراء دراسات تجريبية، وحساب المخاطر بصورة لحظية.

لكن الأهم من ذلك، وفقًا لشار، هو عدم فرض أى قيود على الاستخدام. وينعكس ذلك على جانبين:
أولا، يتيح انعدام القيود على استخدام النظم اللامركزية أساسا محايدا لا يمكنه التمييز بين حالات الاستخدام ولا بين المشاركين. ويتناقض ذلك تماما مع دفاتر الحسابات الرقمية الخاصة التى تخضع لقواعد تحددها جهة مركزية. ونظرا لأن المعايير المقبولة عالميا تصدر فى إطار شديد المركزية، فقد يكون من الصعب الوفاء بها، فضلا عن أن حقوق المشاركة واستخدام البنية التحتية يمكن تسييسها بسهولة. وتحسبا لهذه المشكلات، فإن المشاركين الذين يستشعرون تمييزا محتملا ضدهم داخل البنية التحتية المركزية يمتنعون عن استخدامها. ومن شأن النظم اللامركزية التخفيف من حدة هذه الصعوبات، وربما تعالج بالتالى مشكلة انعدام أو محدودية التعاون.

وثانيا، يقوم نظام التمويل اللامركزى على بنية تحتية متعددة الطبقات (راجع دراسة Schär 2021). وعدم مركزية الدفاتر لا يعنى بالضرورة عدم مركزية جميع المستويات اللاحقة. فقد يكون هناك أسباب وجيهة لحظر أو تعديل صلاحيات الاطلاع على بعض الرموز أو البروتوكولات المالية. ويمكن تنفيذ هذه القيود على مستوى العقود الذكية دون التأثير على حيادية البنية التحتية الأساسية. إما إذا كانت الدفاتر نفسها (أى طبقة التسويات) مركزية بالفعل، فلن يكون إجراء العمليات اللاحقة دون تدخل مركزى أمرا ممكنا.

ويقول شار إن النظم المركزية تقوم على افتراض قوى للغاية، وهو الثقة فى جهات الوساطة والمؤسسات.
ويضيف أننا سنشهد تحولا على الأرجح نحو استخدام الدفاتر التى تجمع بين المدفوعات والأصول المرمزة والبروتوكولات المالية، مثل البورصات وأسواق الإقراض. والتمويل اللامركزى هو أول أشكال هذا التطور، وستكون هناك تطورات مماثلة على صعيد البنية التحتية المركزية. والسبب هو أن المعاملات المركبة سيتعذر تنفيذها ما لم تكن الأصول والبروتوكولات المالية فى نفس الدفتر. وفى ظل آثار الانتشار الشبكى القوية، فإن الدفاتر التى تقتصر على الأصول المشفرة أو على العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية دون أنوع أخرى من الأصول أو البروتوكولات المالية لن تكون خيارا جذابا. ومن الممكن إنشاء بنية تحتية مركزية للمعاملات المركبة تضم أصولا وبروتوكولات مالية إضافية، ولكنها ستواجه مخاطر عديدة، بما فى ذلك صعوبة الحوكمة بسبب التحديات المرتبطة بدفاتر الحسابات الرقمية الخاصة. ويعد ذلك حجة قوية لصالح اللامركزية.

التحديات والمخاطر
لكن الكاتب يلاحظ أنه مثلما يقدم التمويل اللامركزى العديد من المزايا، لكنه ينطوى فى الوقت نفسه على عدد من التحديات والمفاضلات التى يتعين أخذها فى الاعتبار.
أولا، هناك خطر الخداع، أو “اللامركزية الظاهرية”. فما يُطلق عليه التمويل اللامركزى غالبا ما يخضع لقيود مركزية صارمة. ونجد فى حالات عديدة أن بروتوكولات التمويل اللامركزى تتشكل فى ضوء تدفقات مركزية من البيانات وقد تصبح عرضة لنفوذ الأشخاص الذين يمتلكون “مفاتيح إدارة البروتوكول” أو نسبة كبيرة من رموز الحوكمة المركزية (حقوق التصويت). وفى حين أن المركزية الجزئية ليست عيبا بالضرورة، يتعين التمييز بشكل واضح بين اللامركزية الحقيقية والشركات التى تدعى تقديم خدمات التمويل اللامركزى فى حين أنها تقدم فى الواقع بنية تحتية مركزية.

وثانيا، قد تنشأ مخاطر مستجدة نتيجة عدم قابلية تعديل البنية التحتية اللامركزية. فقد تصبح حماية المستثمرين أكثر صعوبة، كما يمكن أن تتسبب أخطاء برمجة العقود الذكية فى تداعيات مدمرة. فالمعاملات المركبة ونظم الرموز المغلفة (راجع دراسة Nadler and Schär التى تصدر قريبا) التى تشبه عملية رهن الضمان تساهم فى انتشار تداعيات الصدمات عبر النظام وقد تؤثر على الاقتصاد الحقيقى.

وثالثا، يمكن أن تمثل شفافية سلسلة الكتل والكتل اللامركزية مشكلة من منظور الخصوصية. وتتيح الفرصة أيضا لاستخلاص الأرباح عن طريق استباق المتعاملين الآخرين – وهى ظاهرة يطلق عليها اسم “تعظيم القيمة المستخلصة” أو “القيمة المستخلصة من عملية التنقيب”. فعلى سبيل المثال، يمكن لأى شخص يراقب معاملة ما تتضمن أمرا لمبادلة مجموعة من الأصول من خلال بورصة لامركزية أن يستبق هذه المبادلة ويصدر معاملة خاصة به ليحقق بذلك ربحا على حساب مُصدِر المعاملة الأصلية. وهناك حلول محتملة من شأنها معالجة هذه المشكلة جزئيا على الأقل، ولكنها تنطوى على مفاضلات.

وأخيرا، لن يسهل التوسع فى سلاسل الكتل العامة دون التأثير على بعض خصائصها المميزة. فإنشاء الكتل اللامركزية ينطوى على تكلفة هائلة. وينبغى ألا تكون تكلفة الأجهزة اللازمة لإنشاء عقدة على الشبكة مرتفعة للغاية بحيث تؤدى إلى إقصاء العديد من المشاركين وتحد من مزايا اللامركزية. ويفرض ذلك قيودا على إمكانية التوسع داخل السلسلة، مما يؤدى إلى ارتفاع تكلفة المعاملات. وهذه المفاضلة بين الأمان واللامركزية وقابلية التوسع عادة ما يتم تصويرها باعتبارها معضلة ثلاثية. ويتمثل أحد الحلول المحتملة فيما يُطلق عليه “حلول الطبقة الثانية”. وهى حلول مصممة لرفع جزء من العبء عن سلسلة الكتل مع السماح للمشاركين بإنفاذ حقوقهم على السلسلة فى حالة حدوث أى أخطاء. وهى تمثل منهجا واعدا، ولكنها غالبا ما تتطلب أيضا قدرا من الثقة وأشكالا مختلفة من البنية التحتية المركزية.

وهكذا فإن التمويل اللامركزى لا يزال ينطوى على العديد من التحديات. ولكنه قادر أيضا على توفير بنية تحتية مستقلة، والحد من بعض مخاطر التمويل التقليدى، وتقديم بديل للامركزية المفرطة. كذلك يشجع التمويل اللامركزى على الابتكار باعتباره من التقنيات مفتوحة المصدر، وهناك العديد من أصحاب المواهب – من الأكاديميين والممارسين على حد سواء – الذين يعملون فى الوقت الحالى على معالجة هذه التحديات. وإذا ما نجحوا فى إيجاد حلول دون الإضرار بالخصائص المميزة التى يقوم عليها مفهوم التمويل اللامركزى، فسيكون ذلك بمثابة حجر زاوية فى مستقبل التمويل.

لمتابعة الاخبار اولا بأول اضغط للاشتراك فى النسخة الورقية او الالكترونية من جريدة البورصة

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://alborsaanews.com/2022/11/13/1597327