بدلاً من تصدير أموال الكربون يمكننا إعادة تدويرها لتمويل تحول الصناعة المصرية نفسها
قد يبدو غريباً أن يطالب مُصدّر مصرى بفرض سعر أو ضريبة على انبعاثاته الكربونية. فالمنطق التقليدى يقول إن الصناعة تسعى دائماً إلى خفض الضرائب والتكاليف، لا إلى إضافة أعباء جديدة عليها.
لكن مع دخول آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية CBAM مرحلتها النهائية فى يناير 2026، تغيرت المعادلة.
السؤال لم يعد: هل سيدفع المُصدّر ثمناً للكربون؟ وإنما أين سيدفعه؟، ومن سيستفيد من هذه الأموال؟
تغطى CBAM حالياً قطاعات من بينها الحديد والصلب، والأسمنت، والألومنيوم، والأسمدة، والهيدروجين، والكهرباء.
والفكرة الأساسية هى تحميل السلع المستوردة إلى الاتحاد الأوروبى تكلفة مرتبطة بالانبعاثات الكامنة فى إنتاجها، بما يعكس بصورة تدريجية تكلفة الكربون التى يتحملها المنتج الأوروبى.
وهنا تكمن المشكلة، والفرصة فى الوقت نفسه بالنسبة لمصر.
إذا استمر مصنع مصرى فى الإنتاج بانبعاثات مرتفعة، فإنَّ عدم وجود سعر محلى للكربون لن يلغى تكلفة هذه الانبعاثات عند التصدير إلى أوروبا.
والأهم أن قواعد CBAM تسمح، وفق شروط محددة، بأخذ سعر الكربون الذى تم دفعه بالفعل فى بلد المنشأ فى الاعتبار عند تحديد الالتزام المالى.
فلماذا إذن لا ندفع قيمة الكربون فى مصر ونستخدمها فى إزالة الكربون من الصناعة المصرية؟
من هنا يمكن التفكير فى إنشاء صندوق وطنى لإزالة الكربون الصناعى، تذهب إليه حصيلة آلية وطنية لتسعير الكربون بدلاً من معاملتها كإيراد ضريبى تقليدى.
والهدف ليس زيادة العبء على المصنع، بل إعادة تدوير تكلفة الكربون لصالح الصناعة نفسها.
يمكن للصندوق تمويل مراجعات الطاقة والكربون، ودراسات الجدوى، وتحديث خطوط الإنتاج، وكفاءة استخدام الطاقة، والطاقة المتجددة، واستبدال الوقود، والهيدروجين منخفض الكربون، وأنظمة القياس والإبلاغ والتحقق MRV وغيرها من الاستثمارات اللازمة لتقليل البصمة الكربونية للمنتج المصرى.
والأهم أن الصندوق يمكن تصميمه كصندوق دوّار Revolving Fund وليس مجرد آلية لمنح الدعم.
فالمشروع الذى يحصل على تمويل ويحقق خفضاً حقيقياً وقابلاً للقياس والتحقق من الانبعاثات قد يتمكن ـ متى استوفى القواعد والمنهجيات المطلوبة ـ من توليد شهادات أو أرصدة لخفض الكربون.
ويمكن استخدام جزء من العائد الناتج عنها فى استرداد التمويل، وإعادة ضخه فى مشروعات جديدة.
وهكذا نصنع دورة تمويلية متكاملة: تسعير الكربون، ثم إنشاء صندوق وطنى، يموّل إزالة الكربون، بما يؤدى إلى خفض الانبعاثات، وتحقيق عوائد من المشروعات وشهادات الخفض المؤهلة، ثم إعادة رسملة الصندوق وتمويل مشروعات جديدة.
وبمرور الوقت، يمكن لكل جنيه يتم تحصيله من الكربون أن يساعد فى تعبئة عدة جنيهات من الاستثمارات، خصوصاً إذا استخدم الصندوق موارده لجذب تمويل إضافى من البنوك المصرية ومؤسسات التمويل الدولية وشركاء التنمية والقطاع الخاص.
لكن هناك شرطاً أساسيًا: لا يجوز أن تتحول ضريبة الكربون إلى مجرد تكلفة إضافية على الصناعة.
يجب أن يصاحبها تمويل ميسر، وضمانات، ومساعدة فنية، وحوافز للاستثمار، وأن تُصمم بما يحافظ على القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
كما أن شهادات خفض الكربون ليست نتيجة تلقائية لكل مشروع؛ فهى تتطلب قواعد واضحة للإضافية، ومنع الازدواج فى الحساب، ومنهجيات معتمدة، ونظماً قوية للقياس والتحقق.
كما ينبغى التمييز بين سوق الكربون الطوعى الذى طورت مصر إطاره التنظيمى وبين سعر كربون محلى يمكن الاعتراف به لأغراض CBAM؛ فهما ليسا بالضرورة شيئاً واحدًا.
المسألة فى النهاية ليست ضريبة جديدة، بل قرار اقتصادى بشأن أين تذهب قيمة الكربون المصرى.
إذا كان جزء من صناعتنا سيواجه تكلفة متزايدة للكربون للوصول إلى الأسواق الدولية، فمن الأفضل أن تتحول هذه التكلفة، قدر الإمكان، إلى استثمار داخل مصر: فى مصانع أكثر كفاءة، وطاقة أنظف، وتكنولوجيا أحدث، وصادرات أكثر تنافسية.
بدلاً من تصدير أموال الكربون، يمكننا إعادة تدويرها لتمويل تحول الصناعة المصرية نفسها.
وهنا قد تصبح ضريبة الكربون، التى تبدو للوهلة الأولى عبئاً على المُصدّر، واحدة من الأدوات التى تساعده على الاستمرار فى التصدير.







