تشكل عقود البث التلفزيوني الشريان الرئيسي لاستمرارية الأندية وطوق نجاة ميزانياتها، وتحقق الدوريات الخليجية، وفي مقدمتها دوري روشن السعودي عوائد مالية ضخمة تتجاوز حاجز الـ 2.3 مليار ريال سعودي، وصفقات تاريخية تضمن رخاء أنديتها.
في المقابل يشهد دوري أورا أزمة خانقة بهيكل العوائد المالية، وضعف ارقام التوزيع ، مما يضع الأندية الجماهيرية والصغيرة في سباق يفتقد لأبسط منصات التنافس المحلي والقاري.
خزيم: رابطة الدوري السعودي أبرمت عقوداً بقيمة 387 مليون ريال
قال الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، إن منظومة النقل التلفزيوني حققت قفزة نوعية ضخمة في دول شرق أسيا، حيث أبرمت رابطة الدوري السعودي عقوداً لتغطية المسابقات تشمل دوري روشن، ودوري يلو، وكأس الملك، وكأس السوبر، بقيمة تصل إلى 387 مليون ريال سعودي سنويا ، أي ما يعادل قرابة 618 مليون دولار لإجمالي العقود الممتدة لعدة سنوات، كما بلغت القيمة السوقية الإجمالية للاعبي المسابقة نحو 1.1 مليار يورو.
وأضاف خزيم أن الدوري المصري يواجه واقعاً مغايراً في إجمالي قيمة حقوق البث التلفزيوني للمسابقة مقارنة بهذه الدول، وذلك بأرقام متواضعة لم تتعد عشرات الملايين موزعة بآليات تقليدية.
ولفت إلى أن الأندية الجماهيرية في دوري أورا تحصل على مبالغ لم تتجاوز 10 ـ 15 مليون جنيه سنوياً من قيمة البث التلفزيوني، بينما تحتاج الأندية الصغيرة والشركات الصاعدة لتغطية جزء يسير من متطلبات الموسم، مشيرا إلى أن هذا التفاوت ينعكس مباشرة على الميزانيات، ويجعل الأندية المصرية تكتفي بالبحث عن حلول تقليدية.
علام: غياب العدالة المالية يلتهم 40% من ميزانية الأندية في السفر
وقال عمرو علام، محاضر في الاستثمار الرياضي، إن “النموذج الخليجي” تعتمد فيه الروابط الكبرى، مثل رابطة الدوري السعودي أو الإماراتي، على معادلة توزيع متوازنة تضخ نسب تتراوح بين 40 – 50% كحصص متساوية مدعومة لجميع الأندية، لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي، بينما تُوزع النسبة الباقية المقدرة من 50 إلى 60% وفقا لمراكز الترتيب النهائية في جدول المسابقة ومعايير الحوكمة.
وأضاف أن النموذج المصري يعاني من الهيمنة واختلال التوازن، حيث استحوذ فيه ناديا الأهلي والزمالك على الحصة الأكبر من الإعلانات والبث المباشر.
وواصل علام، أن أندية الفئة الأولى تحصل على عقود منفردة ، وحصص تتجاوز أكثر من نصف مليار جنيه خلال تعاقدات تسويقية خاصة على مدار عدة مواسم، في حين تتقاسم باقي الأندية المبالغ المتبقية، لتحصل على حصص هزيلة لا تتجاوز 5 ملايين جنيه سنويا.ً
وأكد أن المؤشرات الرقمية الصادمة تعكس غياب العدالة المالية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الأندية الجماهيرية الصغرى وأندية الأقاليم والشركات مثل غزل المحلة وأسوان وبترول أسيوط.
وأوضح علام، أن استعراض الأرقام التقديرية لمصاريف هذه الأندية في دوري أورا يكشف عن أزمات هيكلية، حيث تستهلك تذاكر السفر والإقامة للمعسكرات وحدها ما يتراوح بين 35% و40% من إجمالي الدعم السنوي للبث جراء قطع مسافات طويلة بين المحافظات، كما تعجز الملايين القليلة من حقوق البث عن تغطية رواتب الأجهزة الفنية والعاملين لفريق كرة القدم الأول لعدة شهور، ما يدفع الإدارات إلى دوامات من الديون المفرطة وقضايا إيقاف القيد لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.
وأشار إلى أن هذه الأزمات المالية المتدنية تدفع الأندية الصغيرة لبيع لاعبيها الشباب الواعدين للأندية الكبرى بأسعار زهيدة لسد العجز في الميزانية، وهو الأمر الذي يقضي تماماً على أي فرصة تنافسية حقيقية لهذه الأندية في المسابقة.
دياب: إقرار صندوق تضامني يخصص حدا أدنى للأندية الصغيرة من عوائد البث التلفزيوني
وقال أحمد دياب، رئيس رابطة الأندية، إن غياب الكيانات التسويقية المستقلة طوال السنوات الماضية تسبب في ضعف عوائد البث التلفزيوني إلى حد كبير، إذ كانت إدارة حقوق البث تعاني من غياب الرؤية المستقلة، وتدار عبر آليات تقليدية مرتبطة بجهات حكومية أو اتحاد كرة بلا استراتيجيات تسويقية حديثة، إلى جانب ضعف البنية التحتية لإنتاج المباريات، ومعاناة الشاشات الناقلة للمسابقات من جودة إنتاج عالية ، وبأساليب إخراج متواضعة، وغياب تقنيات النقل الحديثة مثل الكاميرات المتعددة وتقنيات الرسوميات.
وأوضح دياب أن هذه العناصر الأساسية لها دور في جذب المعلنين، ورعاة البث الكبار عالمياً وخليجياً، مشيرا إلى أن النماذج القديمة لاحتكار عقود الرعاية المجمعة، أدى إلى خلق تعارض تسويقي بين عقود أندية الفئة الأولى مثل الأهلي والزمالك والرعاة العامين للدوري.
كما أنه أضعف قدرة الشركة المنظمة على تسويق “المنتج الكامل” للدوري كباقة موحدة ومغرية للقنوات الفضائية الكبرى، فضلاً عن تراجع التنافسية وتكرار التوقفات بسبب كثرة المؤجلات، وغياب الإثارة التنافسية بسبب التوقف المتكرر للمسابقة حتى الجولات الأخيرة، واحتكار لقاءات القمة بين الاهلي والزمالك، مؤكدا أن هذه عوامل أدت إلى تراجع القيمة الشرائية للمباريات لدى القنوات الراغبة في الشراء.
وشدد رئيس رابطة الأندية على ضرورة إعداد كراسة شروط لطرح حقوق البث التلفزيوني والرقمي في مزايدة علنية دولية ومحلية تشارك فيها كبرى القنوات ومنصات البث، بهدف خلق منافسة حقيقية ترفع القيمة الإجمالية لهذه الحقوق.
كما تضمنت هذه الرؤية التوسع في الاستثمار عبر إطلاق منصة رقمية رسمية خاصة بالدوري المصري تتيح البث المباشر داخل البلاد وخارجها بنظام الاشتراكات المدفوعة، سواء للمباراة الواحدة أو بالاشتراك الشهري، ما يفتح مصادر دخل دولية جديدة بالعملة الصعبة بعيداً عن الاحتكار التقليدي.
وواصل دياب أن المقترحات شملت تطوير جودة النقل التلفزيوني، والإخراج البصري بإلزام الجهة الناقلة بمعايير عالمية للملاعب والإضاءة والكاميرات الحديثة لجذب المعلنين والمنصات الكبرى، فضلاً عن استغلال القيمة التاريخية والجماهيرية للمسابقة عبر إعادة تسويقها باعتبارها أقدم دوريات إفريقيا والمنطقة العربية، إلى جانب التركيز على التسويق الخارجي في الأسواق العربية والإفريقية لجذب رعاة جدد.
وشدد دياب، على ضرورة إلزام اتحاد الكرة، ورابطة الأندية على كسر القوالب التقليدية، ليستعيد الدوري المصري مكانته التسويقية، مشيرا إلى أن طوق النجاة الوحيد لمنع اندثار أندية الأقاليم، تتمثل في رفع القيمة الإجمالية لحقوق البث عبر مزايدات كبرى، وإقرار صندوق تضامني يخصص حدا أدنى يتراوح بين 30-40 %، ويتم توزيعه بالتساوي المطلق دون النظر لأسماء الأندية أو حجم شعبيتها.








