انتقل الاقتصاد المصرى تدريجيًا من مرحلة هشاشة السيولة الخارجية إلى وضع يتمتع بقدر أكبر من المرونة، بدعم من تحسن تدفقات النقد الأجنبى وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة وقناة السويس، وفقًا لتقرير «دليل المستثمر فى مصر – سبتمبر 2026» الصادر عن «لينكس للاستشارات الاستراتيجية».
وأظهر التقرير أن التعافى الاقتصادى لا يزال انتقائيًا، مع أداء أقوى لقطاعات الخدمات المالية والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتشييد، فى حين ظل قطاع التصنيع الأضعف أداءً.
وسجل مؤشر مديرى المشتريات للقطاع الخاص غير النفطى 46 نقطة فى يونيو 2026، متأثرًا بضعف الطلب وارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام والتمويل.
وارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال العام المالى 2025-2026 إلى 47.3 مليار دولار، بزيادة 29.6%، فيما نما التمويل الاستهلاكى خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 88.5% إلى 71.84 مليار جنيه.
وقالت جيهان صالح، كبير مستشارى الاقتصاد فى «لينكس للاستشارات»، إن تحسن مصادر النقد الأجنبى عزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، إلا أن تقييم استدامة هذا التحسن يتطلب التركيز على طبيعة التدفقات ومصادرها وليس حجمها فقط.
وأضافت لـ«البورصة»، أن ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة وقناة السويس، إلى جانب استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، تمثل عوامل إيجابية، لكنها شددت على ضرورة استمرار هذه التدفقات من مصادر إنتاجية ومستدامة للحد من الاعتماد على التدفقات الأكثر تقلبًا.
وأوضحت صالح أن زيادة الائتمان الموجه للقطاع الخاص وبرامج التمويل الميسر تمثل خطوة مهمة لدعم الاستثمار، إلا أن استحواذ القطاع العام والجهات المرتبطة به على نحو 71% من الائتمان المحلى يعكس حاجة السوق إلى إعادة توجيه مزيد من الموارد التمويلية نحو القطاع الخاص.
وأكدت أن زيادة إتاحة التمويل وحدها لا تكفى لتعزيز الاستثمار الخاص، فى ظل الحاجة إلى خفض تكلفة الاقتراض وتحسين قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للتوسع والإنتاج.
وأشارت إلى أن الخدمات المالية والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتشييد تبدو أكثر استفادة من تحسن البيئة الاقتصادية، مقارنة بقطاعات لا تزال تواجه ضعف الطلب وارتفاع تكاليف المدخلات، وعلى رأسها التصنيع.
وأكدت أن فرص النمو خلال الفترة المقبلة ستتركز بصورة أكبر فى القطاعات القادرة على توليد النقد الأجنبى وزيادة الصادرات، إلى جانب الأنشطة المستفيدة من إصلاحات الجمارك وبرامج التمويل الميسر.
وشددت صالح، على أن مراقبة الاحتياطيات وخدمة الدين وتدفقات الاستثمار الأجنبى وقدرة القطاع الخاص على توليد النقد الأجنبى تظل عوامل رئيسية لتقييم الاستقرار الاقتصادى، مؤكدة أن استدامة مصادر العملة الأجنبية تكتسب أهمية خاصة مع استمرار عجز الحساب الجارى وارتفاع الدين الخارجى.
رومانى: الإصلاحات الجمركية وحدها لا تكفى لإنعاش الصناعة
وقالت ساندرا رومانى، كبير باحثى الاقتصاد فى «لينكس للاستشارات»، إن التحسن فى المؤشرات الكلية لم يتحول بعد إلى انتعاش صناعى واسع، مشيرة إلى أن قطاع التصنيع سجل فى الربع الثانى من 2026 قراءة بلغت 3 نقاط دون مستوى التعادل، ليكون القطاع الوحيد فى منطقة الانكماش، مقابل 21 نقطة للخدمات المالية و8 نقاط للسياحة.
وأضافت أن ضعف الطلب يمثل أحد أبرز العوائق أمام الصناعة، بالتزامن مع تباطؤ نمو الأجور الحقيقية من 11% فى الربع الأول من 2025 إلى 1.3% فى الربع الأول من 2026، مع استمرار الأجور الحقيقية دون مستويات ما قبل 2023.
وأوضحت أن المصانع تواجه كذلك ارتفاعًا فى تكاليف الإنتاج، تشمل الطاقة والمياه والنقل واللوجستيات والمواد الخام، فضلًا عن اضطرابات سلاسل الإمداد والشحن.
وأكدت رومانى أن الإصلاحات الجمركية، رغم أهميتها فى تسريع الإفراج وتقليل تكاليف التخزين ورأس المال العامل، لن تكون كافية بمفردها ما لم تتزامن مع خفض تكلفة الطاقة والمدخلات وتحسين توافر النقد الأجنبى.
وأشارت إلى أن إجمالى الائتمان المحلى بلغ 17.65 تريليون جنيه فى يونيو 2026، بزيادة سنوية 18.7%، بينما ارتفع ائتمان القطاع الخاص 22.1% إلى 3.66 تريليون جنيه، إلا أن حصته من إجمالى الائتمان لم تتجاوز 20.8%.
وقالت إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من توفير الحوافز إلى إزالة اختناقات الإنتاج، عبر خفض التكلفة الفعلية وتبسيط الإجراءات وتوسيع التمويل طويل الأجل، مع ربط الحوافز بزيادة الإنتاج والطاقة التصديرية.
الوصيف: التمويل المدعوم لا يضمن وصول الشركات الصغيرة للائتمان
وقالت فرح الوصيف، محللة السياسات الاقتصادية فى «لينكس للاستشارات»، إن الشركات الصغيرة والمتوسطة أمامها آليات متعددة لتعزيز فرص حصولها على التمويل، تشمل متطلبات الإقراض الإلزامية وبرامج التمويل المدعوم والتمويل التنموى وبرامج الضمان وتقاسم المخاطر.
وأوضحت أن البنك المركزى المصرى يلزم البنوك بتخصيص 25% من محافظها الائتمانية للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، منها 10% للمشروعات الصغيرة.
وأضافت أن التسهيلات الجديدة المقدمة من البنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية وجهاز تنمية المشروعات وبنك التنمية الألمانى توفر موارد إضافية، بينما تسهم آليات الضمان فى تقاسم مخاطر الإقراض وتخفيف أثر متطلبات الضمانات.
ولفتت الوصيف إلى أن الشركات لا تزال تواجه قيودًا، أبرزها ارتفاع متطلبات الضمانات وعلاوات المخاطر ومحدودية السجلات المالية ومعايير الأهلية ومخاطر السوق، ما يحد من قدرتها على الوصول إلى الائتمان رغم توافر البرامج التمويلية.
وارتفع الائتمان الموجه إلى قطاع الأعمال الخاص 22.1% على أساس سنوى إلى 3.66 تريليون جنيه فى يونيو 2026، بينما استحوذت الحكومة والجهات المرتبطة بالقطاع العام على نحو 71% من إجمالى الائتمان المحلى.
وأكدت الوصيف أن تراجع تكلفة الاقتراض الحقيقية وتوافر برامج التمويل المدعوم لا يعنيان بالضرورة وصول التمويل إلى جميع الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة.
ورصد التقرير إصلاحات جمركية تستهدف خفض زمن الإفراج وتحسين إدارة المخاطر، إلى جانب مقترحات لتقسيط الرسوم على مستلزمات الإنتاج، فيما ساهم إلغاء رسم تصدير الأسمدة فى تراجع أسعار الأسمدة النيتروجينية بنحو 39%.
كما أشار التقرير إلى تحسن مصادر النقد الأجنبى، مع ارتفاع إيرادات السياحة 9% وإيرادات قناة السويس 27.2% خلال الربع الأول من 2026.
وخلص «دليل المستثمر فى مصر» إلى أن الفرص الاستثمارية تتركز فى الخدمات المالية والسياحة والاتصالات والتشييد والصناعات التصديرية، مع استمرار الحاجة إلى تعزيز القوة الشرائية وخفض تكلفة التمويل وتنويع الأسواق ودعم القطاع الخاص لتحقيق نمو مستدام.








