بقلم: محمد العريان
يعد أحد الجوانب التى صدمت الأسواق العام الماضى هو مدى سوء أداء أصول الأسواق الناشئة مقارنة بأصول الدول المتقدمة، وبينما يبحث المستثمرون هذا العام عن أرباح بين بعض أسواق الأصول، فإن سوء الأداء غير المعتاد يجذب انتباهاً أكبر.
وكان سوء أداء الأسواق الناشئة واسع النطاق، وشمل تقريباً كل فئات الأصول، وهبط مؤشر «مورجان ستانلى كابيتال انترناشيونال» لأسهم الدول الناشئة عن مؤشر الأسهم العالمية بنسبة مذهلة بمقدار %29، أما على مستوى الديون الخارجية، فقد قل العائد على السندات السيادية للاقتصادات الناشئة عن السندات عالية العائد بنسبة كبيرة وصلت لـ %14.
وهناك بعض العوامل الكلاسيكية التى ساهمت فى الأداء المخيب للآمال للأسواق الناشئة، وعانت إيرادات الشركات بسبب ضعف النمو وقلة المحفزات الحكومية، بالإضافة إلى ما يتعلق بذلك من عدم اليقين بشأن الطلب العالمى المرتبط بالتغييرات الهيكلية فى الصين، كما تقلصت هوامش الأرباح أيضا بسبب هياكل التكلفة غير المرنة.
وفى نفس الوقت، أثارت المعوقات الواضحة أمام الشركات المخاوف بشأن الإدارة الرشيدة للشركات والحماية القانونية، كما فعل عدم الاستقرار السياسى فى دول مثل تركيا وأوكرانيا.
وعلاوة على ذلك، وعلى عكس نظرائها فى الولايات المتحدة، لم تستفد أسهم الدول الناشئة من الهندسة المالية التى اتبعتها الكثير من الشركات نتيجة لسياسات الفائدة التى اتبعتها البنوك المركزية لأكبر ثلاثة اقتصادات فى العالم.
فعلى سبيل المثال، تمكنت الشركات الأمريكية – بمساعدة الاحتياطى الفيدرالى – من إعادة شراء أسهمها بما يعادل 750 مليار دولار فى 2013، أى بما يعادل حوالى %6 من القيمة السوقية لأسهم مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» فى بداية عام 2013.
وبقدر ما هى مهمة تلك العوامل، لكنها غير كافية لتفسير نطاق وحجم الأداء السيء للأسواق الناشئة فى 2013، كما أنها غير كافية لإرساء توقعات دقيقة لعام 2014، فإذا كانوا كافين، لكانت الأسواق الناشئة تتفوق فى الأداء على غيرها هذا العام بالنظر إلى الاستقرار فى معدلات النمو، وتحسن الصادرات، وتراجع الدعم الفيدرالى للشركات فى عمليات إعادة الشراء وارتفاع الأرباح الموزعة.
ولإلقاء مزيد من الضوء على ما حدث فى 2013 وما قد يحدث فى 2014، نحتاج لأن ننظر إلى ثلاثة عوامل رآها الكثيرون على أنها تراث من «الأسواق الناشئة القديمة».
أولا، وبعد سنوات عديدة من التدفقات الداخلة الضخمة، عانت الأسواق الناشئة من خلل تقنى فى الربع الثانى من 2013، ألا وهو حديث الفيدرالى عن «تقليص» الدعم غير التقليدى الذى يقدمه البنك المركزى الأمريكى للأسواق.
وتضاعفت أثار الاضطرابات فى الأسعار والسيولة بسبب الضعف الهيكلى المرتبط بقاعدة المستثمرين الضيقة والمضاربين، وبمعنى أبسط، لم تستطع أموال «المحليين» التعويض سريعاً عن «دولارات السائحين» التى هربت من الأسواق الناشئة.
ثانياً، شهد عام 2013 تعثرات من قبل قادة الشركات وصناع السياسة فى الأسواق الناشئة، وربما الثقة المفرطة بسبب الحديث عن عصر الأسواق الناشئة- الذى بدوره انتشر نتيجة مدى تفوق العالم الناشئ اقتصاديا وماليا على الدول المتقدمة بعد أزمة 2008 – وهى التى تسببت فى الاستخفاف بالصدمات الخارجية التقنية، وفى المبالغة فى تقدير مرونتها، والاستجابات دون المستوى سواء على مستوى الشركات أو الحكومات.
وأخيراً، مدى عدم الانسجام السياسى الداخلى الذى برز بسبب تراجع قيم العملات الناتج عن التغير المفاجىء فى التدفقات الرأسمالية، وسارعت الشركات للتعامل مع الفروقات فى عملاتهم الأجنبية، بينما تمزقت سياسات أسعار الفائدة للبنوك المركزية بسبب التضخم الناتج عن صراع العملات وبسبب كافحة النمو الاقتصادى المتهاوى.
وفى حال غياب أى زوبعة كبيرة فى الاقتصاد العالمى – على سبيل المثال فإن نتيجة لغلطة سياسية من جانب البنوك المركزية للدول الثلاث الكبرى، أو حادث عرضى فى السوق مثل انفصال سعر بعض أسعار الأصول عن الأسس الاقتصادية – فإن تأثير تلك العوامل الثلاثة سوف يختفى فى 2014، وهذا من شأنه تخفيف الضغط على أصول الدول الناشئة فى وقت أصبحت تقييماتها أكثر جاذبية سواء على أساس نسبى أو مطلق.
ومع ذلك، ليس على المستثمرين أن يندفعوا ويوجهوا محافظهم لتعافى كبير الحجم وواسع النطاق فى الأسواق الناشئة، وإنما يجب عليهم بدلاً من ذلك، التفريق من خلال تفضيل الشركات ذات الربحية العالية التى تستفيد من ديناميكيات النمو الاستهلاكى الصحى طويل المدى الواقعة فى دول ذات ميزانيات قوية وعلى درجة عالية من المرونة السياسية، التى لديها قاعدة مستثمرين متنامية.
إعداد: رحمة عبدالعزيز
المصدر: الفاينانشيال تايمز